دينا الشّهوان

منذ أن بدأت ترسم في كراسها، وفي بالها عوالم كثيرة، سافرت لكثير من المدن الملونة ولأخرى بلون واحد، كوّنت في قلبها حلماً ورسالة وقالت لن يكونا إلا لعالم واحد. كان هذا العالم هو عالم الطفل.. ظل هذا العالم يلامس قلبها من وقت لآخر.. هلا بنت خالد كاتبة ورسامة شغلها عالم الطفل، وقد تكون عوالم الطفل هي ما يشغل بالها... وما يمكن أن نصنع لأطفالنا ..؟ كيف نرسم ونوثق ونحفظ الذاكرة.. هذا ما أحببنا الكتابة عنه في بيت الأفكار..

 

تمهيد للقارئ الصغير والكبير

لطالما كان التراث عاملاً مهماً في مجمل أعمال الكاتبة والرسامة هلا بنت خالد، ومع أحدث ما كتبت نجد التراث عنصراً أساسياً في القصة، حيث تكتب قصة مستوحاة من الأمس تُظهر فيها تفاصيل كثيرة وشخوصاً حقيقية ومنها ما نسجه خيالها الجميل وكل ذلك في قصة 100. تبدأ هلا قصتها بمقدمة لطيفة تقول فيها: "منذ زمن بعيد، كانت المملكة العربية السعودية بلداً فقيراً جداً فقد كان معظم الناس يسكنون الخيام والبيوت الطينية، من دون كهرباء ولا مجاري.. تصوروا..!! كان الماء قليلاً جداً، ولذلك أمر الملك بالتنقيب عن مياه جوفية، فبدأت الحفارات تحفر وتحفر في أعماق الأرض، فظهر إلى السطح ما فاجأ الجميع وعلى رأسهم الملك فالمادة التي خرجت لم تكن مياهاً عذبة بل زيتاً أسود لزجاً إنه الذهب الأسود وقد جلب الكثير من الأموال.. والأموال غيرت كل شيء. فجأة أصبح بإمكان الأطفال عمل أشياء لم يحلم بها آباؤهم، يشاهدون التلفاز ويأكلون الآيس كريم، ويذهبون إلى المدرسة على متن سيارة، وغيرها الكثير، وخلال فترة الستينيات والسبعينيات الميلادية، بدأت الدنيا تتغير بسرعة عجيبة ففي لمح البصر دخلت النهضة إلى البلاد، فنمت الأبراج الشاهقة فوق الرمال بسرعة نمو الفطر، ونحتت الطرق والأنفاق في الجبال الوعرة بين عشية وضحاها. ولكن بعض الأمور لم تتغير ولن تتغير أبداً، مثل حب أهل السعودية لخيامهم والعيش في الصحراء الواسعة.. هذه القصة مستوحاة من أيام الطفرة". بهذه المقدمة البراقة تفتتح هلا بنت خالد قصة ( 100) وهي بذلك تمهد للقارئ صغيراً كان أم كبيراً، مواطناً أم مقيماً، مراحل تطور الحياة بالمملكة العربية السعودية بأسلوب مدهش وبحقيقة واقعية، وبطريقة سرد تدخلنا في عوالم القصة لنستعد إلى ما بعد الصفحة التالية، وفي الحقيقة قلما نجد هذا الاختزال المنمق في كتب موجهة للأطفال.

السهل الممتنع

اعتمدت الكاتبة على السرد البسيط وهذا الأسلوب هو السهل الممتنع، ففي هذه القصة نجد طرح رؤى بقوالب عدة، منها: الرسوم، والشخوص، والأرقام، والفهرس الموجود في نهاية القصة، تفاصيل دقيقة فسرتها الكاتبة كي لا تترك سؤالاً واحداً يداعب فكر القارئ، هذا بحد ذاته أمر في غاية الأهمية وقلما نرى من يوثق قصته بهذه الترتيب. تبدأ القصة عند استدعاء الأميرة الكبيرة لوزيرها، وطلبها منه التجهيز للتخييم في الصحراء مع أحفادها.. وبسؤال الوزير عن عدد من سيذهب للتخييم تبدأ الأميرة بالعد على أصابعها وتبدأ القصة بعد أسماء الحفيدات العشر والأحفاد العشر، والمربيات العشر، والبنيات العشر (رفيقات الأميرة الكبيرة منذ الصغر)، والصبابات العشر، والطباخات العشر، والسفرجية العشر، والفراشين العشر، والقهوجية العشر، والصنايعية العشر، حتى اكتمل العدد بدهشة الوزير وقوله 100 شخص طال عمرك..! ترد عليه الأميرة بهدوء نعم 100 شخص.

رحلة التخييم واللعب والغناء

بدأت الكاتبة والرسامة هلا بنت خالد في التجهيز لنقل القارئ إلى تفاصيل رحلة التخييم من السيارة الكبيرة الملونة، والتي سمتها الكاتبة "التش تش" وسمتها بذلك لأنها كانت تحدث صوتاً كهذا على حد قولها "تش تش" وإلى جانبها الناقلة الصفراء الكبيرة، والتي ستحمل الأميرة الكبيرة والأطفال، وقد سمتها "العنتر ناش" نسبة إلى الشركة الأمريكية التي صنعت الحافلة وكان اسمها "انترناشونال". تصف فيما بعد الكاتبة رحلة التخييم وما يمر بها من صعوبة في الطريق وإيقاف سيارة النقل على الطريق وتغريزها بالرمال، وكيف أن كلَّ من في "التش تش" يساعد السائق في دفع عجلة السيارة، إلى أن يصلوا ويبدأ التخييم فيلعب الأطفال، والأميرة الكبيرة وبنياتها يبدأن يغنين الأغاني الشعبية، وتظهر جماليات القصة بالرسوم والألوان حيث تنقل الكاتبة تفاصيل نقوش التراث، وألوانه البهية في كافة زوايا القصة، وهناك صفحات مميزة في التصميم تبين القصة بحذافيرها من خلال صورة واحدة. وتنهي الكاتبة القصة بسطر واحد وهو: "بعد ثلاثة أيام عاد الجميع إلى المدينة، ولكن، احزروا ما حدث للعنتر ناش للمرة الثانية..!". وبذلك تترك سؤالاً مدهشاً ومتعدد النهايات للقارئ، لمشاركته في أن يخمّن ماذا حصل أو أن يترقب جزءاً آخر!!

التراث هوية.. والفنون وحدة

عنصر المفاجأة هو ما يميز أسلوب الكاتبة والرسامة هلا بنت خالد في جلّ قصصها، وفي هذه القصة توثق تراثنا الأصيل حيث جسدت كل الشخوص بالاسم والصورة وسافرت بِنَا عبر زمان مضى لنرى كيف كانت الحياة وكيف صارت كل ذلك في قصة ١٠٠. تقول هلا بنت خالد في الصفحة الأخيرة من القصة والتي تفسر لِمَ كتبت هذه القصة وماذا استوحت منها: منذ أن وطئ الإنسان الأرض بقدميه، وتعلق قلبه بالفنون بأنواعها، فمن الرسم على الصخور إلى نحت الحجارة، ومن صناعة الفخار إلى النسيج وتزيين البيوت والمباني، والفنون تحيط بالبشر من كل جانب، لدرجة أنه بإمكاننا التمييز بين الأمم من خلال فنونها، ولعلكم ترون في الوقت ذاته، أن الفنون توحّد العالم. عندما كنت صغيرة كنت أشاهد بحزن هدم البيوت الطينية القديمة، ونشوء بنايات عصرية مكانها. أنا أحب الصناعات والفنون القديمة لأنها صنعت بأيدٍ دافئة وعيون محبة. الفنون تعلمنا الكثير الكثير عن تاريخ وعادات الدول لذلك أعتقد أن على كل دولة المحافظة على تراثها، وتضيف هذا الكتاب يدعم "الجمعية السعودية للمحافظة على التراث". اللافت في أعمال هلا بنت خالد هو حبكة القصة التي ترويها والكائنات التي ترسمها فتارة ترسم شخوصاً وأخرى ترسم كائنات ربما تكون أحياناً من ابتكارها وغير موجودة إلا في عالمها لكنها صديقة وقريبة من القلب. لسنوات عدة أهدت هلا بنت خالد الطفل عالماً جميلاً ملؤه تراث وفن وعلم وغناء، فسّرت له ما معنى أن يقرأ قصة وحملت عنه حلماً كبيراً.

هلا بنت خالد - تؤلف ترسم وتنشر القصص للأطفال باللغتين العربية والإنجليزية وهي تؤمن بأن القراءة والكتابة هما أهم المهارات، وبأن الفن لغة عالمية، وبأن الأطفال هم أهم الناس، ولدت ونشأت في مدينة الرياض وهي أم لخمسة أبناء.. هم: سعود وموضي وتانة وخالد ولين. أسست دار جربوع للنشر، وحين نسألها لِمَ اخترت اسم جربوع؟! تقول لأنه حيوان أليف وقوي ولا أجد من يستطيع اللحاق به ذو عينين كبيرتين وذيل طويل..! كتبت هلا بنت خالد قصصاً من واقع الطفل عبر شخصيات تحيط بِنَا فجعلت الأطفال يلعبون والطيور ترقص والفراشات ترسم وأحيانا كانت تتخذ من أبنائها أبطالاً لقصصها مثل الحازوقة وغيرها من القصص الشيقة. كما أنها دخلت في طريق التعليم حيث أصدرت عدداً من الكتب لمصلحة مكتبة الملك عبدالعزيز وأيضاً تقوم بقراءة القصة لعدد من المدارس وهذا مهم جداً، لنماء وعي الطفل، ولإداركه أهمية الكتاب.